عبد الملك الجويني
177
الشامل في أصول الدين
الأصل الثالث من أصول الدلالة : أن يعلم أن ما رمناه من تقدير التمانع يتوقف تجويزه على تصوير تناقض الإرادتين القائمتين بالمريدين ، ولا يتحقق تقدير التمانع دون ذلك . وبيانه أنا لو صورنا من أحد القديمين تحريك جسم ، ولم نتصور من الثاني القصد إلى تسكينه في وقت تحريكه ، لما كان ممنوعا . فإن أحدهما إذا أراد التحريك ، والثاني وافقه فيما أراده ، ولم يرده ولم يكرهه ، أو ذهل عنه ، ولم يحاول الحركة ولا ضدها ، فلا يسمى ممنوعا . وإنما الممنوع من يريد الشيء ويقصده ، فيصد عن مراده ويحال بينه وبين مقصوده ، وهذا واضح لا خفاء به ، ولأجل ذلك يبعد تسمية الميت والجماد ممنوع ، من حيث لم يتحقق منه قصد وصدهم بالشيء ، ثم ردّ ، وهذا واضح في جنبة الممنوع . وقد قال الأئمة رضي اللّه عنهم : كما تتوقف صفة الممنوع على إرادته ، فكذلك تتوقف صفة المانع على إرادته ، إذ المنع يتعلق بمانع وممنوع ، فإذا اقتضى أحد طرفيه إرادة ، اقتضاء الثاني . وهذا قول القاضي في « الهداية » . لو قلت : صفة الممنوع إنما تفتقر إلى محض إرادته مع امتناع مراده ، ولا تفتقر إلى كون فاعل المنع مريدا للمنع ، لكنت غير متعدّ . والصحيح ما قاله ، وهو واضح عند التأمل . وليس الغرض بهذا الأصل التشبث بإطلاق لفظ في جنبة المانع ، وإنما المعنى المقصود ، والغرض المتبوع ، التعرض لجانب الممنوع . فإن ضعفه إنما يتبين بأن يريد فيردّ ، أو يقصد فيصد ، ولولا إرادته لما استبان ضعفه ، فافهموه ترشدوا . الأصل الرابع من أصل الدلالة : أن تعلموا أن الغرض من التمانع وتقديره يتوقف على تثبيت حال واحد من القديمين مختصا بحكم الإرادة ، تحقيقا على وجه يصح الاختصاص عليه . ومن امتنع عليه ذلك ، لم يستقم له فصل التمانع . وإيضاح ذلك أنا لو قدرنا قديمين ، لقدرنا كل واحد منهما مريدا بإرادة قديمة قائمة بذاته على الاختصاص ، فصح لذلك اختلافهما في الإرادة ، ويترتب على صحة الاختلاف التمانع . والمعتزلة افترقت مذاهبها في الإرادة ، ولا يستتب على مذهب من مذاهبهم ما رمناه . وذلك أن الأكثرين منهم صاروا إلى أن اللّه تعالى مريد بإرادة حادثة . ثم لما قيل لهم : يستحيل قيام الحوادث بذات الرب ، زعموا أنا نثبت إرادة حادثة لا في محل ، ثم ألزموا بعد ذلك أن يصرفوا حكم تلك الإرادة إلى كل مريد من حيث لا اختصاص لها بشيء من الذوات ، فحاولوا من ذلك انفصالا ، وقالوا : يختص حكم الإرادة التي في غير محل بموجود قائم بنفسه في غير جهة ، فنقض ذلك عليهم بالفناء . فإنهم زعموا أن فناء الجواهر معنى يخلقه اللّه تعالى لا في محل تفنى به الجواهر . فألزموا أن يقولوا : يختص مقتضى الفناء